عمر بن علي بن عادل الدمشقي الحنبلي
316
اللباب في علوم الكتاب
أهله ، فقال أسامة : يا رسول اللّه ، هم أهلك ، ولا نعلم إلا خيرا . وأما عليّ فقال : لم يضيّق اللّه عليك ، والنساء سواها كثير ، وسل الجارية تصدقك ، فدعا رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - بريرة ، فقال : « هل رأيت من شيء يريبك » ؟ قالت له بريرة : والذي بعثك بالحق نبيا ما رأيت عليها أمرا قط أغضه « 1 » أكثر من أنها جارية حديثة السن تنام عن عجين أهلها فتأتي الداجن « 2 » فتأكله . قالت : فقام نبي اللّه خطيبا على المنبر فقال : يا معشر المسلمين من يعذرني « 3 » من رجل قد بلغ أذاه في أهلي - يعني : عبد اللّه بن أبيّ - فو اللّه ما علمت على أهلي إلا خيرا ، ولقد ذكروا رجلا ما علمت عليه إلا خيرا ، وما كان يدخل على أهلي إلا معي فقام سعد بن معاذ « 4 » أخو بني الأشهل فقال : أنا يا رسول اللّه أعذرك فإن كان من الأوس ضربت عنقه ، وإن كان من إخواننا الخزرج فما أمرتنا فعلناه فقام سعد بن عبادة وهو سيد الخزرج ، وكان رجلا صالحا ، ولكن أخذته الحمية ، وكانت أم حسان بنت عمه من فخذه ، فقال لسعد بن معاذ : كذبت ، لعمر اللّه لا تقدر على قتله . فقام أسيد بن حضير « 5 » ، وهو ابن عم سعد بن معاذ فقال لسعد بن عبادة : كذبت ، لعمر اللّه لنقتله ، وإنك لمنافق تجادل عن المنافقين ، فثار الحيان الأوس والخزرج حتى هموا أن يقتتلوا ، ورسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - على المنبر ، فلم يزل يخفضهم حتى سكتوا . قالت : فبكيت يومي ذلك كله وليلتي لا يرقأ لي دمع ولا أكتحل بنوم ، فأصبح أبواي عندي ، وقد بكيت ليلتين ويوما « 6 » حتى أني لأظنّ أن البكاء فالق « 7 » كبدي ، فبينما أبواي جالسان عندي وأنا أبكي ، فاستأذنت عليّ امرأة من الأنصار ، فأذنت لها ، فجلست تبكي معي ، فبينما نحن على ذلك إذ دخل رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - علينا فسلم ثم جلس ، قالت : ولم يجلس عندي منذ قيل فيّ ما قيل ، وقد لبث شهرا لا يوحى إليه في شأني بشيء ، فتشهد رسول اللّه - صلّى اللّه عليه وسلّم - حين جلس ثم قال : أمّا بعد يا عائشة ، فإنه بلغني عنك كذا وكذا ، فإن كنت بريئة فسيبرئك اللّه ، وإن
--> ( 1 ) أي : أعيبها به . اللسان ( غمص ) . ( 2 ) الداجن : الشاة التي تألف البيت ولا تخرج إلى المرعى ، وقيل هي كل ما يألف البيوت مطلقا شاة أو طيرا ، والجمع : دواجن . اللسان ( دجن ) . ( 3 ) أي : من يقوم بعذري أن كافأته على سوء صنيعه فلا يلومني ؟ وقيل معناه : من ينصرني ؟ والعذير : الناصر ، وقيل المراد من ينتقم لي منه ؟ اللسان ( عذر ) شرح النووي 17 / 109 . ( 4 ) هو سعد بن معاذ الأنصاري الأوسي ، من أعاظم الصحابة ، قاتل في بدر وأحد ، رمي بسهم يوم الخندق فمات من أثر جرحه ، وعمره 37 سنة ، وذلك في السنة الخامسة من الهجرة على الراجح بكاه الرسول - صلّى اللّه عليه وسلّم - وتولى الصلاة عليه . المنجد 355 ، الأعلام 3 / 88 . ( 5 ) هو أسيد بن حضير بن سماك بن عتيك الأوسي ، أبو يحيى ، صحابي ، كان شريفا في الجاهلية والإسلام ، وكان من السابقين إلى الإسلام ، وكان إسلامه على يد مصعب بن عمير بالمدينة مات سنة 20 ه . الإصابة 1 / 83 - 84 ، الأعلام 1 / 330 . ( 6 ) في ب : ويومين . ( 7 ) الفلق : الشق ، والفلق مصدر فلقه يفلقه فلقا شقه . اللسان ( فلق ) .